عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

288

اللباب في علوم الكتاب

وقال أبو حنيفة وأحمد : تحرم . حجّة الشّافعيّ أنّها ليست بنتا فلا تحرم ، وإنما قلنا : ليست بنتا لوجوه : أحدها : أنّ أبا حنيفة - رضي اللّه عنه - إمّا أن يثبت كونها بنتا له بناء على الحقيقة ، وهي كونها مخلوقة من مائه أو [ بناء ] « 1 » على حكم الشّرع بثبوت هذا النّسب ، والأوّل باطل على مذهبه طردا أو عكسا ، وأمّا الطرد فهو أنّه إذا اشترى جارية بكرا ، وافتضها وحبسها في داره ، وأتت بولد فهذا الولد معلوم أنّه مخلوق من مائه ، مع أن أبا حنيفة قال : لا يثبت ولدها إلا عند الاستلحاق ، ولو كان النّسب هو كون الولد مخلوقا من مائه ، لما توقّف [ أبو حنيفة في ] « 2 » ثبوت هذا النسب على الاستلحاق . وأمّا العكس فهو أنّ المشرقي إذا تزوّج بالمغربية ، وحصل هناك ولد فأبو حنيفة أثبت النسب ههنا مع القطع بأنّه غير مخلوق من مائه ، فثبت أنّ القول بجعله

--> - أحكام الشرع من التوارث وغيره ؛ وهذا لا يدل على نفي السبب الحقيقي في غير الفراش ، يؤيد ذلك : أنه يحرم على الرجل أن يتزوج بنته من الرضاعة ، ومع ذلك فهي ليست من الفراش في شيء . وأما الجمهور فقد استدلوا على حرمة نكاح البنت من الزنا بالكتاب والمعقول . أما الكتاب ؛ فقوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ الآية ، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة : أنها نصت على تحريم كل بنت مضافة إلى المخاطبين ، ومما لا شك فيه أن بنت الزنا بنته ؛ لأنها أنثى مخلوقة من مائه ، وهذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة ؛ ومما يدل على ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في شأن امرأة هلال بن أمية « انظروه » يعني : ولدها « فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك ابن سحماء » يعني : الزاني . وأما المعقول : فقد قالوا : إن هذه البنت مخلوقة من مائه ، فهي بضعة منه ، فلا تحل له كما لا تحل له ابنته من النكاح . والذي يتبين لنا بعد بيان الأدلة ومناقشة أدلة الشافعية : أن مذهب الجمهور هو المذهب الراجح الذي يجب المصير إليه ، نزولا على موجب الأدلة ، لا سيما أننا نجد الشريعة الإسلامية تحرّم البنت من الرضاع ، وذلك تحاشيا عن أن يستفرش الإنسان نفسه ويستمتع بجزئه ، والمعنى الذي أوجب الشارع به تحريم البنت من الرضاع موجود في البنت من الزنا ، بل الظاهر أن البنت من الزنا أولى ، بالتحريم من البنت في الرضاع ؛ وذلك لأن حقيقة الجزئية ثابتة فيها قطعا ؛ لأنها مخلوقة من مائه - أما البنت من الرضاع : فإنها حرمت لشبهة الجزئية ؛ فإذا أثبت التحريم مع شبهة الجزئية ، فثبوته معها لجزئية المحققة أولى خصوصا أن الشافعية قد وافقوا غيرهم في القول بأنه يحرم على المرأة أن تتزوّج بولدها من الزنا ؛ وعللوا ذلك بأنه بعضها ، وانفصل منها إنسانا ، بخلاف البنت من الزنا ؛ لأنها انفصلت منه منيا ، فإن تعليلهم هذا لا يفيدهم سوى أن البعضية في ابن المرأة من الزنا أظهر منها في البنت من الزنا ، ولكنه لا يفيد نفي البعضية عن البنت من الزنا ، فقد اعترفوا بأنها مخلوقة من مائه ، فإنكار وجود الجزئية في مسألة دون مسألة لا يصح . ينظر : حلية العلماء 6 / 379 ، قليوبي على المحلى 3 / 241 ، حواشي التحفة 7 / 299 ، نهاية المحتاج 6 / 266 ، طريقة الخلاف للسمرقندي ص 87 ، بداية المجتهد 2 / 28 ، حاشية الجمل على المنهج 4 / 77 ، الشرقاوي على التحرير 2 / 210 . ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ .